تخطى إلى المحتوى

البرلمانية حنان أتركين و”التبرع بالأعضاء” : هدفي الآني هو أن أرمي حجرا في المياه الراكدة

حوار : تقي الدين تاجي

تزامنا مع النقاش الدائر، بشأن “إجبارية التلقيح” و”فرض الجواز الصحي”، وإرتباط ذلك بأحقية التصرف في الجسد لصاحبه، عاد موضوع التبرع بالأعضاء بعد الوفاة ليستأثر بقسط من هذا النقاش، بعدما بادرت النائبة البرلمانية عن حزب الاصالة والمعاصرة والفاعلة السياسية والجمعوية، “حنان أتركين” الى تسجيل اسمها في سجل المانحين لأعضائهم بعد الوفاة، لتكون بذلك أول نائبة تقوم بذلك خلال الولاية التشريعية الحالية.

هل قرارك التبرع بأعضائك بعد وفاتك جاء عن قناعة راسخة أم بحثا عن “البوز” ؟

لا يمكن أن نسعى وراء “البوز” من وراء قرار كهذا، خاصةً إذا كنا ننتمي في ذات الآن للمؤسستين التشريعية والطبية . كما أن البحث عن الإثارة يفقدنا كل ثواب عن هذا العمل النبيل، ولولا الأثر التوعوي الذي أتوخاه لما قمت بالإعلان عن تبرعي بأعضائي، ولأبقيت الأمر سرا بيني وبين ربي وعائلتي..هذه الفكرة كانت تلح عليّ وتراودني منذ زمن بعيد، ونحن على بعد أيام فقط عن اليوم العالمي للتبرع بالأعضاء، قررت هاته المرة ألا تمر هاته الذكرى مرور الكرام وأن تنتقل رغبتي الجامحة وفكرتي إلى حيز التنفيذ.

نحتاج للحسم في شأن القيام ببعض المبادرات لما يسميه المحللون بالعامل الكاشف الذي ينهي حالة التردد أو لنقل التقاعس كما كان الشأن بالنسبة لي. لا يعقل أن لا نكون نحن كنواب أول من يطبق القوانين التي نشرعها للناس. يجب أن نعطي المثال والقدوة. صحيح أن إنتاج قانون التبرع بالأعضاء كان في ولاية سابقة على انتخابي كنائبة برلمانية، لكن الاحتفال باليوم العالمي للتبرع بالأعضاء حثني على إعطاء معنى ملموس لكل هذه الانتماءات التي أصبحت لدي، زد على ذلك أن الثقافة التي أتشبع بها تؤمن بالبذل والعطاء لفائدة الآخرين.

أعتقد أن التطور الذي عرفه مجال التبرع بالأعضاء، والامكانيات التي يعطيها للمرضى الميؤوس من شفائهم ليواصلوا الحياة بأعضائنا التي سنطمرها في التراب يجعلنا نطرح السؤال في الحقيقة بالشكل الآتي: لماذا لا نتبرع بأعضائنا؟؟.الجسم هو مجرد آلة تسكنها أرواحنا، وعندما نتوفى تغادر الروح الى العالم العلوي، ويبقى هذا الجسد في العالم المادي. فلماذا نتركه يفسد، وأرواح أخرى تحتاج إلى قطع غيار ترمم بها أجسادها. التبرع بالأعضاء يجعلك تحصد الحسنات حتى بعد مماتك، هو فرصة لك لا تعوض .أنا شخصيا هكذا أنظر إلى الموضوع.

لماذا اخترت التبرع بالقرنيتين والكبد والكليتين على وجه التحديد، وليس بجميع الأعضاء ؟

وقعَ الأمر هكذا دون كثير تفكير، عندما سألتني المسؤولة أن أحدد إن كنت أود التبرع بكامل الجسد أم ببعض الأعضاء، إنصرف ذهني الى الأعضاء الحيوية .هذا كل ما في الأمر. أنا شغوفة بالمطالعة، أغلب ما قرأته في الموضوع هو حول هذه الأعضاء الثلاثة. على أي حال اتصل بي العديد من المواطنين وتحدثنا في موضوع التبرع بالأعضاء، أتمنى أن أكون مصدر إلهام، لأكبر عدد منهم لتشجيعهم على القيام بنفس الشيء، وحبذا لو تتغير التمثلات عندنا بخصوص هذه القضية.

لماذا بنظرك يظل الاقبال على التبرع بالأعضاء ضعيفا في المغرب مقارنة بدول الجوار..تونس كمثال؟

أعتقد أن ذلك راجع الى نقص الوعي بأهمية هذا الفعل التضامني النبيل بسبب أننا لا نفعل شيئا لأجل الترويج له .شبكات التواصل الاجتماعي تضج بالمواضيع التافهة، والكل أصبح يلهث نحو “البوز” بأساليب عجيبة، هناك تمثلات خاطئة لدى الجمهور المغربي، وفقر في المعلومات، كما أن الإعلام الهادف لا يسلط الضوء الكافي على هذا الموضوع ، سواء من خلال إستضافة أطباء وعلماء إجتماع وعلماء نفس وأيضا فقهاء لتوضيح كل جوانب الموضوع.

من جهة أخرى يتوجب علينا أيضا، استقطاب بعض المؤثرين ونجوم المجتمع لهذا المشروع الكبير وحثهم على المرافعة عنه لدحض كل الأفكار الزائفة، ثم علينا أيضا تأهيل منظومتنا الصحية أكثر لكي يتطور هذا الاختصاص الذي هو في الحقيقة يتوزع على كل الاختصاصات

هل سبق وعشت تجربة حياتية، كان فيها التبرع بالأعضاء هو الفيصل لإنقاذ حياة صديق أو قريب ؟

بطبيعة الحال عملي كطبيبة يجعلني أصادف عدة حالات من هذا النوع ، كنت في صغري أتساءل دائما هل يحتفظ الشخص بنفس العواطف مثلا حين ينقل إليه قلب شخص آخر. كلنا يثير لدينا هذا الموضوع بعض التساؤلات.أعتقد أن التبرع بالأعضاء لايحتاج اليوم لأدلة تثبث جدواه. لقد انتقل العلم الآن إلى تصنيع أعضاء من خلايا جذعية، هذا النوع من التقنيات الجديدة أو إذا شئت من الصناعة الطبية سيقلب المفاهيم ، وهو يحتاج لتنسيق وطني ودولي والى إنخراط كبير للأشخاص لتنظيم الأمر لوجستيكيا، فيما يخص المتوافقين مع بعضهم البعض من حيث الفصائل النسيجية. يمكن توظيف المعطيات الضخمة والذكاء الاصطناعي للدفع بكل هذا . أعتقد أنهم في العالم قطعوا أشواطا كبيرة في هذا المضمار .

من موقعك كبرلمانية كيف تنظرين الى القانون 16.98 المنظم لعمليات التبرع بالأعضاء والأنسجة البشرية، ولماذا برأيك ظل التبرع دائما مقتصرا على الأعضاء دون “الأنسجة” ؟

هذا القانون يبقى متقدما جدا، وهو يفي بالمهمة المطلوبة ، بطبيعة الحال هو قانون ينسجم مع مبادئ الشريعة الإسلامية. لا يمكن مثلا التبرع بأنسجة تناسلية حفظا للأنساب. يمكن التبرع بالقرنية وهي عبارة عن نسيج أو غشاء شفاف يحتاجه البعض لأجل الرؤية من جديد . وكذلك النخاع العظمي وهو أيضا نسيج. هذا القانون موجه للبالغين، وهو محاط بكل الضمانات المطلوبة حيث أنه ينظم التبرع بين الأحياء كما يشترط ضرورة وجود قرابة عائلية، علاوة على تشديده على “الإرادة الحرة للمتبرع” بعد إحاطته بكل معطيات الموضوع، دون ممارسة ضغط معنوي أو مادي عليه أو إلحاق ضرر به.

بالنسبة للتبرع بعد الوفاة فهذا القانون وضّح مختلف مراحل هذا المسار أيضا وفق ما يتم التقيد به عالميا .

يبقى أن يتطور هذا الحقل ، وإذا ظهرت مستجدات من خلال الممارسة يمكن تحيين القانون. يجب أن يكون لدينا تراكم علمي وفي الممارسة، وهذا رهين بالتنسيق بيننا كأطباء وبينكم كإعلاميين. نحتاج بعضنا البعض في هذا الموضوع.

بصفتك طبيبة وسياسية هل تنوين مستقبلا اطلاق مبادرات لتشجيع المواطنين المغاربة على تسجيل أسمائهم في سجلات المانحين بعد الوفاة ؟ وكيف ذلك ؟

هدفي الآني هو أن أرمي حجرا في المياه الراكدة، لأجل تحفيز الآخرين على ممارسة هذا الفعل.

التشريع يطال كل المجالات وأنا لا أنوي أن أتخصص في التشريع الطبي .المشرع يتوجب أن تكون لديه نظرة شمولية، ولذلك سأحاول في هذه الولاية الإنكباب على كل ما يهم مصالح المواطنين والمواطنات، كما سأسعى جاهدة لكي أكون دائما داعمة لكل المبادرات ذات النفع العام سواء في هذا المجال أو في مجالات أخرى.

Facebook
WhatsApp
Email
LinkedIn