منذ ستة وعشرين سنة ولج المغرب طور ملكية جديدة، مغايرة في تدبيرها للحكم، ولمنظورها للتنمية، ولسؤال المواطنة…تغيرت أشياء كثيرة خلال هذا الزمن، حيث تواصل بناء الدولة الحديثة، ومأسسة مؤسساتها، وتطوير منظومة الحقوق، ورفع سقف الطموح عاليا بدستور يؤسس لتعاقدات جديدة؛
تغيرت قواعد اللعب، وهندسة السلط، واتسع مجال المشاركة الديمقراطية، وتطورت سلطة الانتخاب واكتسبت مساحات جديدة كان تحتلها في الماضي “سلطة التعيين”. فأصبحت نتائج الانتخابات محددا في تعيين رئيس الحكومة، والبرلمان بصلاحيات وأدوار جديدة، والديمقراطية التشاركية بمؤسساتها تمكن المواطنين من الحضور الدائم خارج الفترات الانتخابية؛
يحس المواطنون بالتغيير من حولهم، وفي أحوالهم، فقد أحدثت تغيرات عديدة في المجالات الحضرية، وتحسنت شروط العيش وتطورت الخدمات وتغير منطق تدبير المرافق العمومية، وفتحت أوراش التفكير في كل عوائق عصرنة الإدارة وتحويل البيروقراطية إلى أداة جاذبة للاستثمار المنتج ورافعة للتنمية عوض عرقلتها؛
تطور العرض الاقتصادي الوطني، وتنوعت موارده وتشعبت شراكاته، لم يعد المغرب دولة ثالثية تكتفي بنقل الخامات المعدنية والمواد الفلاحية إلى أسواق العالم، بل يدعو المستثمرين إلى الاسقرار به والاستثمار فيه، بجاذبية البيئة والمناخ الاستثماري الجيد، والإصلاحات القانونية والقضائية المحققة، وخبرة اليد العاملة، والموقع الجغرافي الذي يجعله رابطا بين أوربا وإفريقيا. فأصبحت المملكة مقترنا ذكرها بمصانع السيارات وأجزاء الطائرات وميناء طنجة في انتظار ولادة توأميه بالناضور والداخلة…
بنية تحتية واعدة، يتم تطوريها بانتظام لتجيب على دفتر المعايير الدولية، بنية تحتية ستشد الأنظار قريبا وسيكتشفها زوار المملكة في مناسبات رياضية عديدة. طرق تجهز، موانئ تشيد، وبراق يطوي المغرب من شماله إلى جنوبه، وطرق سيارة تتقوى، ومركبات رياضية تعانق السماء بهندسة فريدة أبدعتها أيادي وطنية رائعة…
أولويات اجتماعية، تتصدر الأجندة…من مشروع التنمية البشرية إلى الحماية الاجتماعية…الصحة والتعليم، والعناية بالعالم القروي…استثمارات ضخمة، ومقاربات تشاركية، لإنجاح رهان العدالة المجالية، ورأب الفجوة بين الطبقات الاجتماعية…الشباب أولوية…النساء أولوية…إنه الانتباه إلى القوى المعطلة وإلى القوى الواعدة التي لا يمكن أن ينجح قطار التنمية إلا بانخراطها ورد الاعتبار إليها…
وفي عالم متقلب، فاقد للبوصلة، تظهر المملكة كمنارة للإسلام الوسطي المعتدل، فعبرها ومن خلالها يتحقق التعايش والتوافق بين الخصوصية والكونية، عبر انفتاح هويتها، وأصالة قيمها بعنوان “تمغربيت”…مملكة متصالحة مع نفسها، تواجه المستقبل بسقف طموح عال، لا عقد لها من الماضي ولا من الحاضر ولا من المستقبل، فقد قرأت ماضيها بجرأة نادرة، وتصالحت مع ذاتها، وطرحت الأسئلة المجتمعية العويضة التي ستمكنها من معانقة “المغرب الممكن” الذي يقود مسيرته جلالة الملك محمد السادس بعزم وإصرار…